أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

252

التوحيد

والثالث أن تكون الآية في الكفرة ، وفي القصة دليل ذلك . ثم دليل ما بينا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] ، وإنما يكتب عليهم إذا قتلوا قتل العمد ، وأبقى لهم بعد القتل الإيمان . ثم قال : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] ، فأبقى له اسم الأخوة ، ثم قال : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 178 ] أطمعه في رحمته جل وعلا ، وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار . ثم رأى المعتزلة في ذلك إلزام القصاص بعد التوبة ، وإزالة عقوبة الآخرة ، وصرف الآية ، وإن كان فيها ذكر الإيمان إلى الخروج منه ، وذلك تخصيص . وما ذكر من أكل المال بالباطل فكل يجمع على التخصيص ؛ إذ ذلك اسم يأخذ القليل ، وذلك غير مراد فيه ، وكذلك أموال اليتامى . والثاني أنه ذكر فيه عدوانا وظلما ، وذلك على العذاب على حد اللّه والظلم على صاحبه ، مع احتمال ذلك ما ذكرنا في القتل . ثم يقال لهم : الآية التي فيها ذكر الإيمان أتزيله أو تبقيه ؟ فإن أزاله فقد أقر بالتخصيص ، وإن أبقاه رجع إلى رأي من نسبهم إلى الإرجاء ، واللّه الموفق . ثم قال : إن الذي قال امتحن رسول اللّه لأعرف أنه رسول اللّه فأرد عليه بعد المعرفة فعرف صدقه إنه لا يكون بتلك المعرفة مؤمنا ، دل أن إطلاق الاسم ليس على ما كان في اللغة . قال الفقيه رحمه اللّه : فنقول وباللّه التوفيق : ما أعظم جهله إذا أثبت الاسم في اللغة كأنه قال : أطلقته اللغة وأنا أمنعه ، فهو إذا يكذب نفسه عند جميع ذلك اسمه . مع ما فيه إيجاب أن اللّه قد منعهم عن العمل بما عرّفهم وألزمهم العمل بما جهلهم ذلك ، جل اللّه عن هذا الوصف . ثم المعرفة ليست بإيمان ، وإن سميت مجازا ، كما يسمى فضل اللّه ورحمته بما هي تدعو إلى التصديق ، وما ذكر كله خيال لا معنى له ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم استدل على منع اسم الإيمان بما جعل اللّه لما أطلق له اسم الإيمان أحكاما منعت منه ، واسم الكفر أحكاما لمن يقرن به . فيقال له : ما الدليل على أن الذي أوصيت إليه من الأحكام لإطلاق دون معان تتصل به في الوجهين جميعا ؟ ثم قال : منها التعظيم والتزكية والموالاة وقبول الشهادة . فيقال : ما الدلالة على أن كل هذا لإطلاق الاسم خاصة دون تحقيقه بالشرائط المضمومة إليه والعادات التي دعا إليها الإيمان ؟ وبعد ، فإن ولاية الإيمان لازمة ، وجميع ما منع منه منع بحق الإيمان الذي فيه ؛ إذ حقيقته فيه منعنا عما ذكر ، مع ما كان الثابت مما فيه الحدود والقصاص يثبت له